قال خبراء اقتصاد ومصرفيون، إن طرح عملة معدنية فئة 2 جنيه، يأتي في إطار إعادة تنظيم هيكل النقد المتداول وتحسين كفاءة المعاملات اليومية، مؤكدين أن تأثيره على معدلات التضخم والقوة الشرائية سيظل محدودًا وغير مباشر، مع ارتباطه بعوامل سلوكية وتنظيمية أكثر من كونه تأثيرًا نقديًا جوهريًا.
وتوقع الخبراء الذين التقتهم “البورصة”، أن يسهم القرار في تخفيف أزمة “الفكة” ورفع كفاءة السيولة المتداولة، مع انعكاسات تدريجية قد تتضح بشكل أكبر مع التطبيق الفعلي داخل السوق ورصد سلوك التجار والمستهلكين.
وأعلنت مصلحة الخزانة العامة وسك العملة التابعة لوزارة المالية ، الشهر الحالي، عن توجهها لإعادة تطوير منظومة العملات المعدنية في مصر، ضمن خطة تستهدف تحسين جودة وتوافر “الفكة” في الأسواق، وتتضمن طرح عملة معدنية جديدة فئة 2 جنيه خلال الأسابيع المقبلة، في إطار إعادة ضبط هيكل العملات المتداولة وتلبية احتياجات السوق من الفئات الصغيرة دون إلغاء أي من الفئات الحالية.
أكد محمد عبد العال، الخبير المصرفي وعضو مجلس إدارة البنك المصري الخليجي، أن استعداد الحكومة المصرية لإضافة فئة معدنية بقيمة 2 جنيه، جاء بهدف تنظيم حركة النقد وتسهيل المعاملات الصغيرة اليومية، وتخفيف عبء الفكة الصغيرة على المواطنين، ما يجعل الحركة النقدية أكثر سلاسة ويزيد معدل دوران العملة داخل النظام النقدي، لكنها ليست بديلاً عن سياسات نقدية أوسع وفعالة لمعالجة التضخم وحماية القوة الشرائية.
وأوضح أن نجاح هذه الخطوة يعتمد بشكل حاسم على وجود إطار تنظيمي واضح، وتنسيق بين السلطات النقدية والمالية، ورصد مستمر لتأثيرها على السيولة والأسعار وسلوك المستهلكين.
أشار عبدالعال، إلى أن تأثير هذه الفئة على معدل التضخم ليس مباشرًا أو حتميًا، إذ يعتمد على مدى تحويل جزء من المعاملات من فئات أعلى إلى فئة 2 جنيه، بالإضافة إلى قبول التجار والمستهلكين لهذا التغيير.
والفكرة الأساسية لا تكمن في دفع التضخم، وإنما في تعزيز إعادة تسعير السلع بشكل أكثر تنظيمًا ضمن إطار السياسات النقدية الأوسع.
ولفت إلى أن الفئة المعدنية قد تقلل تدريجيًا الاعتماد على النقد الورقي في المعاملات اليومية، وتخفف الضغط على الفئات الصغيرة الأخرى، لكنها لا تلغي الحاجة إلى النقد الورقي، إذ يبقى سلوك المستهلك والتكاليف المرتبطة بالإنتاج والتوزيع والتقنيات الحديثة للنقد عوامل محددة لذلك.
أيضًا ، فإن تكاليف إصدار الفئة الجديدة قد تكون مرتفعة في البداية بسبب تحديث خطوط الإنتاج وعمليات التوزيع، لكنها مع الوقت قد تخفف من التكاليف اللوجستية المرتبطة بالفئات الورقية الصغيرة، خصوصًا إذا تم اعتماد الفئة المعدنية على نطاق واسع.
ويري عبدالعال، أن التأثير على الأسعار وسلوك المستهلك يعتمد على مدى قبول السوق للفئة الجديدة كإطار سعري أساسي، وأن القوة الشرائية للمواطن ستظل مرتبطة بعوامل اقتصادية أوسع، بما في ذلك الدخل الحقيقي والأسعار العالمية وسياسات الفائدة وثقة المستهلك في الاستقرار الاقتصادي.
أضاف أن التأخير في تنفيذ القرار منذ موافقة مجلس الوزراء في سبتمبر 2022، يعود لأسباب منطقية متداخلة، تشمل سلاسل الإمداد العالمية، وتوافر المعادن، وتكاليف الاستيراد، والتقنيات التصنيعية الحديثة، إضافة إلى ضرورة إجراء تقييمات دقيقة لتجنب اختلالات الأسعار أو ضغوط تضخمية غير مقصودة، مع مراعاة الاستقرار النقدي والسياسي والاقتصادي في السوق.
أبو الخير: التضخم يرتبط بتكاليف الإنتاج والصرف وليس بتغيير شكل الفئات النقدية
و قال أحمد أبو الخير، الخبير المصرفي، إن توجه الحكومة نحو طرح عملة معدنية جديدة ، يمثل خطوة استراتيجية تحمل أبعادًا نقدية وتشغيلية تتجاوز مجرد إضافة فئة جديدة إلى هيكل النقود المتداولة.
وأوضح أن القرار يأتي في توقيت يشهد فيه السوق المحلي نقصًا ملحوظًا في الفئات الصغيرة “الفكة”، خصوصًا في المعاملات اليومية المرتبطة بالمواصلات العامة والمخابز والخدمات السريعة، مما يجعل المسألة مرتبطة ليس فقط بسهولة التداول، بل أيضًا بسلوك التسعير، وكفاءة إدارة السيولة، وتكاليف إصدار النقد.
وأشار إلى أن الأثر المباشر الأكثر إيجابية لهذا القرار يتمثل في رفع كفاءة السيولة المتداولة داخل الفئات الصغيرة، موضحًا أن السوق المصري يعاني منذ سنوات من اختفاء نسبي للعملات المعدنية، ما أدى إلى بدائل غير رسمية في رد الباقي وأوجد تشوهات في التسعير اليومي.
أكد أبوالخير، أن إدخال فئة 2 جنيه يسد فجوة واضحة بين الجنيه الواحد والفئات الورقية الأعلى، موفرًا للتجار والمستهلكين وسيلة أكثر عملية ومرونة في تسوية المدفوعات اليومية.
كما لفت إلى أن التأثير المباشر على معدل التضخم سيكون محدودًا، لأن إصدار فئة جديدة لا يعني بالضرورة زيادة المعروض النقدي، بل يمثل إعادة هيكلة لمكونات النقد المتداول لتلبية احتياجات السوق الفعلية.
وأوضح أن معدلات التضخم ترتبط أساسًا بحجم السيولة الإجمالية، وتكاليف الإنتاج، وأسعار الصرف، وليس بمجرد تغيير شكل الفئات النقدية، مع إمكانية تأثير نفسي محدود نتيجة التقريب السعري لبعض الأسعار الصغيرة.
أشار أبوالخير، إلي أن الفئة المعدنية قد تقلل تدريجيًا الاعتماد على الجنيه الورقي والفئات الصغيرة الأخرى، مشيرًا إلى أن العملات المعدنية تتميز بعمر افتراضي أطول مقارنة بالأوراق النقدية، ما يسهم في خفض تكاليف الطباعة والاستبدال الدوري، وتقليل ظواهر سلبية مثل صهر العملات للاستفادة من قيمتها المعدنية.
وشدد على ضرورة استمرار وفرة فئة الجنيه الواحد لتفادي تحويل فئة 2 جنيه إلى “مرساة سعرية” قد ترفع الأسعار بشكل غير مرغوب، مؤثرًا على القوة الشرائية للفئات منخفضة الدخل.
وأرجع أبو الخير، القرار إلي ضغوط النقد الأجنبي، وارتفاع أسعار المعادن عالميًا، وتكاليف الاستيراد، والحاجة لمراجعة التكلفة مقابل المنفعة، بالإضافة إلى أولويات السياسة النقدية الأهم مثل السيطرة على التضخم وإدارة سعر الصرف وتأمين النقد الأجنبي.
وتوقع أن يخفف القرار أزمة “الفكة” ويحسن جودة المعاملات اليومية، مشيرًا إلى أن نجاح القرار مرتبط بكفاءة إدارة هيكل الفئات الصغيرة داخل السوق المصري لضمان عدم حدوث ضغوط تضخمية غير مباشرة.
شفيع: «تنظيم نقدي» بتأثير تضخمي محدود يعكس تآكل القوة الشرائية
وقال مصطفى شفيع، خبير الاقتصاد وأسواق المال، إن الجدل المثار حول طرح فئة الجنيهين المعدنية يفوق بكثير تأثيرها الحقيقي على الاقتصاد، موضحًا أن الخطوة في جوهرها تعد إعادة تنظيم نقدي أكثر من كونها إجراءً ذا تأثيرات تضخمية واسعة.
أضاف أن الأثر المباشر لإصدار هذه الفئة على معدلات التضخم يعد ضعيفًا للغاية، نظرًا لأن التضخم في الأساس تحكمه عوامل أكثر تأثيرًا، على رأسها المعروض النقدي، وسعر الصرف، واستيراد التضخم من الخارج، مؤكدًا أن هذه المحددات تظل العامل الرئيس في تحديد الاتجاه العام للأسعار.
أشار شفيع إلى وجود ما يعرف بـ« تقريب الأسعار»، وهو ما قد يؤدي إلى زيادات طفيفة في بعض السلع والخدمات اليومية، إذ قد يتم رفع الأسعار من جنيه واحد إلى جنيهين، خاصة في المعاملات البسيطة مثل الأكشاك ووسائل النقل .. لكن هذا الأثر يظل محدودًا وقصير الأجل وغير محسوس على نطاق واسع.
وأوضح أن إصدار فئة نقدية أعلى لا يعد سببًا في تآكلها، بل هو انعكاس مباشر لتراجعها، لافتًا إلى أن ظهور فئة الجنيهين المعدنية يعكس انخفاض القدرة الشرائية للجنيه، إذ لم تعد الفئات الأقل قادرة على تلبية الاحتياجات اليومية بنفس الكفاءة السابقة.
ونفى وجود تأثير يُذكر لهذه الخطوة على سعر صرف الجنيه أمام العملات الأجنبية، مؤكدًا أن تحركات سعر الصرف ترتبط بعوامل كلية، تشمل ميزان المدفوعات، والتدفقات الدولارية، ومستويات أسعار الفائدة، وليس بإصدار فئة نقدية جديدة.
قال شفيع ، إن ارتفاع تكلفة تصنيع العملات المعدنية، نتيجة زيادة أسعار المعادن عالميًا، إلى جانب اعتماد مصر على استيراد جزء من هذه الخامات، كان من أبرز العوامل التي أدت لتأخر تطبيق القرار، فضلًا عن تأثر التكلفة بسعر الصرف خلال تلك الفترة، ما دفع إلى إرجاء التنفيذ لحين توافر ظروف أكثر ملاءمة.
وأكد أن تأثير هذه الخطوة على السياسة النقدية يظل محدودًا للغاية، مشيرًا إلى أن البنك المركزي، يركز في قراراته على أدوات أكثر تأثيرًا في الاقتصاد، مثل أسعار الفائدة وإدارة السيولة، بينما يظل إصدار الفئات النقدية إجراءً تنظيميًا لا يحمل تأثيرًا جوهريًا على معدلات التضخم أو النشاط الاقتصادي.
عادل: التقييم الحقيقي يتوقف على التطبيق العملي في السوق
وتوقع إبراهيم عادل، محلل اقتصادى ومالى بشركة مباشر، تأثيراً محدوداً للعملة الجديدة في المرحلة الحالية على معدلات التضخم والقوة الشرائية، موضحًا أن القرار يعد قرارًا تنظيميًا بالأساس أكثر من كونه إجراء ذا تأثير مباشر على المعروض النقدي.
وأوضح أن معظم الانعكاسات المحتملة لهذا القرار ما زالت غير واضحة حتى الآن، خاصة فيما يتعلق بسلوك التجار ومدى اتجاههم إلى تقريب الأسعار نحو فئات أعلى مع مرور الوقت، وهو ما قد يمثل العامل الأكثر تأثيرًا على المدى المتوسط.
أضاف أن التقييم الحقيقي لجدوى وتأثير العملة الجديدة فئة 2 جنيه، يتطلب فترة من التطبيق الفعلي داخل السوق، لمتابعة كيفية تفاعل المستهلكين والتجار معها على أرض الواقع.
وأكد أن أي تأثير متوقع سيكون تدريجيًا وغير مباشر، وبالتالي ليس من المرجح أن يظهر بشكل قوي أو فوري على معدلات التضخم أو على قيمة الجنيه خلال الفترة القريبة المقبلة.



